ابن حمدون
263
التذكرة الحمدونية
ولكني ألغيت شرح هذه الأخبار التي أوردها أصحاب السّير تنزيها لهم ، وإكبارا عن تمثيلهم ممن أدركه الزلل فهفا ، وعثر في سنن هديه فكبا ؛ وعلى أن الناس مختلفون فيما يجوز عليهم من الخطأ ، وفيهم من لم يجوز [ 1 ] عليه وقوع الخطيئة ، لا كبيرها ولا صغيرها ، قبل النبوّة وبعدها . فأما الذين جوّزوا وقوع الخطأ منهم واختلفوا ، فجوز [ 2 ] أصحاب الحديث ومن تابعهم وقوع الكبائر منهم قبل النّبوّة ؛ وأفرط قوم منهم فجوّزوها في حال النّبوّة ، سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة ؛ ومنهم من جوّز ذلك في حال النّبوّة بشرط الإسرار [ 3 ] دون الإعلان ؛ وفيهم من جوّزه على الأحوال كلَّها ، ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفّة من الأنبياء عليهم السلام قبل النّبوّة وفي حالها ، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخفّ من الصغائر ، ثم اختلفوا : فمنهم من جوّز على النبيّ الإقدام على المعصية الصغيرة لا على سبيل العمد ، ومنهم من منع ذلك وقال : إنهم لا يقدمون على ما يعملونه معصية على سبيل التأويل . وحكي عن النّظَّام وجعفر بن مبشّر أنهما قالا مع جماعة اتبعتهما إنّ ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السّهو والغفلة ، وأنّهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعا عن أممهم لقوّة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم ، وحجج هذه المقالات وتسمية قائليها والذاهبين إليها ، تحتاج إلى بيان وشرح لا يليق بهذا الكتاب . وحصل من هذا إجماع أكثر الناس أن أحدا لا يخلو من هفوة وزلَّة ، واللَّه بكرمه وليّ العفو عنها والمسامحة بها ، فلا يعاب ذو فضيلة بوقوعها منه . 1141 - كان لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ناقة تسبق ما يجاريها . فجاء أعرابيّ بناقة له فسبقها ، فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم : حقيق على اللَّه تعالى أن لا يرفع شيئا إلا وضعه .